العيني

275

عمدة القاري

وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حاضَتْ عائِشَةٌ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بالبَيْتِ لا تُصَلِّى عطاء هو ابن أبي رباح ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وهذا قطعة من حديث ذكره البخاري موصولاً في كتاب الأحكام في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ) حدّثنا الحسن بن عمر حدّثنا يزيد عن حبيب عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج وقدمنا مكة إلى أن قال : وكانت عائشة قدمت مكة وهي حائض ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنسك المناسك كلها غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى تطهر ) الحديث . قوله : ( فنسكت ) ، بفتح السين ، والمعنى : أقامت بأمور الحج كلها غير الطواف بالبيت والصلاة وقال صاحب ( التلويح ) وتبعه صاحب ( التوضيح ) قوله : ( ولا تصلى ) يحتمل أن يكون من كلام عطاء ، أو من كلام البخاري ، والله أعلم . وقالَ الحَكَمُ إنِّي لاَ ذْبَحْ وَأَنَّا جُنُبٌ وقالَ اللَّهُ : * ( ولا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) * ( سورة الأنعام : 121 ) الحكم بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف ابن عتيبة ، بضم العين المهلمة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، الكوفي ، وقد تقدم في باب السمر بالعلم ، وهذا التعليق وصله البغوي في ( الجعديات ) من روايته عن علي بن الحعد عن شعبة عنه . قوله : ( إني لأذبح ) أي : أني لأذبح الذبيحة والحال أني جنب ، ولكن لا بد أن أذكر الله تعالى يحكم هذه الآية وهي : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) * ( سورة الأنعام : 121 ) وأراد بهذا أن الذبح مستلزم شرعاً لذكر الله بمقتضى هذه الآية ، فدل على أن الجنب يجوز له التلاوة . واعلم أن البخاري ذكر في هذا الباب ستة من الآثار إلى هنا ، واستدل بها على جواز قراءة الجنب القرآن ، وفي كل ذلك مناقشة ، ورد عليه الجمهور بأحاديث وردت بمنع الجنب عن قراءة القرآن . ومنها : حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الأربعة ، فقال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر ، قال : أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله ابن سلمة ، قال : دخلت على علي رضي الله تعالى عنه ، أنا ورجلان : رجل منا ورجل من بني إسد ، أحسبد فبعثهما علي بعثاً وقال : إنكما علجان فعالجان عن دينكما ، ثم قام فدخل المخرج ، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن ، فأنكروا ذلك ، فقال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيء من الخلاء فيقرإ بنا القرآن ويأكل معنا اللحم لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة ) . فإن قلت : ذكر البزار أنه لا يروى عن علي إلاَّ حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة ، وحكى البخاري : عن عمرو بن مرة ، كان عبد الله ، يعني ابن سلمة يحدثنا ، فتعرق وتنكر ، وكان قد كبر ولا يتابع في حديثه ، وذكر الشافعي هذا الحديث ، وقال : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه . وقال البيهقي : وإنما توقف الثاني في ثبوت هذا الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي ، وكان قد كبر وأنكر من حديث وعقله بعض النكرة ، وإنما روى هذا الحديث بعد كبر . قاله شعبة ، وذكر الخطابي أن الإمام أحمد كان يوهن حديث علي هذا ، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة وذكره ابن الجوزي في ( الضعفاء والمتروكين ) وقال النسائي : يعرف وينكر . قلت : الترمذي لما أخرجه قال : حديث حسن صحيح ، وصححه ابن حبان أيضاً ، وقال الحاكم في عبد الله بن سلمة ، أنه غير مطعون فيه . وقال العجلي : تابعي ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . قوله : لا يحجزه ، بالزاي المعجمة ، أي : لا يمنعه ويروى ، بالراء المهملة ، بمعناه ويروي : لا يحجبه ، بمعناه أيضاً . ومنها : حديث ابن عرم ، أخرجه الترمذي وابن ماجة عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) ، وضعف هذا الحديث بإسماعيل بن عياش قال البيهقي : روايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها ، قاله أحمد ويحيى وغيرهما من الحفاظ . ومنها : حديث جابر ، رواه الدارقطني في ( سننه ) من حديث محمد بن الفضل عن أبيه عن طاووس عن جابر مرفوعاً نحوه ، ورواه ابن عدي في ( الكامل ) وأعله بمحمد بن الفضل وأغلظ في تضعيفه عن البخاري والنسائي وأحمد وابن معين . قلت : وربما يعتضدان بحديث علي المذكور ، ولم يصح عن البخاري في هذا الباب حديث ، فلذلك ذهب إلى جواز قراءة الجنب والحائض أيضاً واستدل على ذلك بما صح عنده وعند غيره من حديث عائشة الذي رواه مسلم الذي ذكر عن قريب ، قال الطبري في ( كتاب التهذيب ) الصواب أن ما روي عنه عليه ، الصلاة والسلام ، من ذكر الله على كل أحيائه وأنه كان يقرأ ما لم يكن جنباً أن قراءته طاهراً اختيار منه لأفضل الحالتين